٣١‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ٩:٠٥ ص

الدول العربية وثمن الأمن الأمريكي

الدول العربية وثمن الأمن الأمريكي

كان أحد أهم مبررات الحكومات العربية على مدى العقود الأربعة الماضية لاستضافتها القواعد العسكرية الأمريكية هو تأمين الأمن الوطني. لكن حرب الأربعين يوماً الأخيرة، وضعت هذه المعادلة التقليدية أمام تساؤلات جدية.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: كان أحد أهم مبررات الحكومات العربية على مدى العقود الأربعة الماضية لاستضافتها القواعد العسكرية الأمريكية هو تأمين الأمن الوطني. فمن وجهة نظر هذه الحكومات، لم يكن وجود الجيش الأمريكي مجرد ضامن لبقاء الأنظمة السياسية وعامل ردع في مواجهة التهديدات الخارجية، بل كان يُقدم أيضاً كضمانة لمنع امتداد الحرب وعدم الاستقرار إلى داخل حدود الدول المضيفة. واستناداً إلى هذا المنطق، كلما كان الارتباط الأمني بواشنطن أعمق، قل احتمال التعرض الخارجي. ولهذا السبب، ظلت القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية تُبرر على مر السنين تحت عنوان "المظلة الأمنية"؛ مظلة كان من المفترض أن تضمن الاستقرار، وتحافظ على الاستثمار الأجنبي، وتبقي الدول العربية بعيدة عن تداعيات الصراعات الإقليمية.

لكن حرب الأربعين يوماً الأخيرة، وضعت هذه المعادلة التقليدية أمام تساؤلات جدية. فبالرغم من استمرار تأكيد الحكومات العربية على ضرورة التعاون الأمني مع أمريكا، إلا أن تصوراً مختلفاً بدأ يتشكل على مستوى الرأي العام الإقليمي؛ تصور يعتبر وجود القواعد الأجنبية، بدلاً من أن يكون عاملاً للأمن، واحداً من أهم عوامل نقل الحرب وانعدام الأمن إلى أراضي الدول المضيفة.

هذا التحول في النظرة، ربما يكون أهم تطور استراتيجي بعد الحرب الأخيرة؛ تطور لم يؤدِ بعد إلى تغيير في السياسة الرسمية للدول، لكنه قد يؤثر على المدى الطويل في الهندسة الأمنية لغرب آسيا.

الرمز الواضح لهذا التحول هو الأردن. فقد ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن مئات من السياسيين والمحامين والأساتذة الجامعيين والضباط المتقاعدين والشخصيات العامة الأردنية، نشروا رسالة مفتوحة طالبوا فيها بانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من بلادهم. وأكد الموقعون على هذه الرسالة أن وجود الجنود الأمريكيين لم يحقق أي فائدة لأمن الأردن، بل عرّض هذا البلد لتهديدات أمنية وسياسية واقتصادية، وزاد من احتمال جره إلى حرب لم يكن له أي دور في بدئها.

لا تكمن أهمية هذه الرسالة في محتواها فقط، بل في السياق السياسي الأردني أيضاً. ففي بلد عادة ما يكون التعبير عن مثل هذه المواقف مقيداً سياسياً، فإن نشر رسالة بهذا المستوى من التوقيعات، يشير إلى تشكل قلق حقيقي لدى النخب وشرائح من المجتمع؛ قلق من أن وجود القوات الأجنبية، بدلاً من خلق الأمن، قد حول البلاد إلى جزء من ساحة التنافس بين القوى الإقليمية وما وراء الإقليمية.

بالطبع، هذا التحول لا يقتصر على الأردن فقط. ففي العديد من الدول العربية، بدءاً من شبكات التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام المستقلة والأوساط الأكاديمية، أصبح النقاش حول تكاليف استضافة القواعد الأمريكية أكثر حضوراً من أي وقت مضى. سؤال كان نادراً ما يُطرح قبل بضع سنوات، أصبح اليوم أحد المحاور الرئيسية للنقاشات السياسية: هل هذه القواعد تحقق الأمن حقاً، أم أنها تحولت إلى عامل لانعدام الأمن؟

يجب البحث عن جذور هذا التحول في التطورات الميدانية للحرب الأخيرة. فخلال حرب الأربعين يوماً، استخدمت أمريكا شبكتها الواسعة من القواعد والمنشآت العسكرية في المنطقة للدعم العملياتي والاستخباراتي واللوجستي. وكانت هذه القواعد، في مختلف دول المنطقة، جزءاً من سلسلة القيادة، ونقل المعدات، واعتراض المعلومات، ودعم العمليات العسكرية.

في المقابل، أعلنت إيران بوضوح أن أي نقطة تُستخدم لشن عمليات عسكرية ضد أراضيها، ستعتبر جزءاً من ساحة المعركة. ولم يقتصر هذا الموقف على كونه مجرد تحذير سياسي. فطهران، في عدة مراحل، استهدفت القواعد والمنشآت المرتبطة بالقوات الأمريكية في المنطقة بهجمات صاروخية وجوية، وأظهرت أنه في المعادلات الجديدة، لا تفرق كثيراً بين الأراضي الأمريكية والقواعد العسكرية خارج حدودها.

هذا التطور وحده، وضع أحد أهم أسس الرواية الأمنية الأمريكية موضع تساؤل. فإذا كان يُقال بالأمس القريب إن وجود القواعد الأمريكية يمنع الهجوم على الدول المضيفة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم في الرأي العام الإقليمي هو: هل تحولت هذه القواعد نفسها إلى السبب الرئيسي لتعرض الدول العربية لهجمات انتقامية؟

الحقيقة أن المنطق التقليدي لإقامة القواعد الخارجية كان يقوم على نقل تكاليف الحرب. فالقوى الكبرى سعت دائماً لتنفيذ عملياتها العسكرية من أراضي حلفائها، لتبقي أراضيها الرئيسية بعيدة عن التداعيات المباشرة للحرب. تقلع الطائرات من قواعد خارجية، وتتمركز أنظمة استخباراتية في دول أخرى، وتُدار العمليات العسكرية من خارج حدود أمريكا؛ بينما تظل المدن الأمريكية محصنة من نيران الحرب.

هذا النموذج كان فعالاً إلى حد كبير خلال فترة الحرب الباردة، بل وحتى في حربي العراق وأفغانستان، لكن التطورات في التكنولوجيا العسكرية خلال العقد الأخير قلبت هذه المعادلة. فقد جعل تطوير الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيرة الهجومية، وأنظمة الاستخبارات المتقدمة، والقدرة على الاستهداف الدقيق، أي قاعدة عسكرية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي، هدفاً محتملاً.

بعبارة أخرى، اليوم، أي دولة تستضيف مركز قيادة، أو مستودع أسلحة، أو أنظمة رادار، أو موقعاً لتمركز مقاتلات قوة خارجية، تصبح، طوعاً أو كرهاً، جزءاً من ساحة المعركة. وهذا يعني أن الدولة المضيفة لم تعد مجرد شريك أمني، بل أصبحت حلقة في سلسلة العمليات العسكرية، وعليها أن تتحمل تبعات ذلك بنفس القدر.

في ظل هذه الظروف، تغير مفهوم الردع أيضاً. ففي الماضي، كان وجود قوة كبرى على أراضي دولة ما يعني تقليل احتمالية الهجوم، لكن اليوم، قد يشكل هذا الوجود نفسه حافزاً لاستهداف تلك الدولة. بعبارة أخرى، ما كان يُعتبر عاملاً للردع، أصبح في بعض الظروف عاملاً لزيادة التعرض للخطر.

لهذا السبب، يطرح العديد من مواطني الدول العربية اليوم هذا السؤال: لماذا يجب عليهم دفع ثمن حروب تُتخذ قراراتها في واشنطن أو عواصم غربية أخرى؟ لماذا يجب أن تتحول أراضيهم إلى منصة للعمليات العسكرية، في حين أن أولى التداعيات الأمنية والاقتصادية وحتى النفسية لهذه القرارات تتحقق على حسابهم؟

هذه الأسئلة ليست أمنية فقط. فأي هجوم على قواعد خارجية يمكن أن يؤثر على اقتصاد الدول المضيفة أيضاً. انخفاض الاستثمار الأجنبي، وارتفاع تكاليف التأمين، وانخفاض السياحة، وقلق الأسواق المالية، وزيادة النفقات الدفاعية، كلها تداعيات ستنعكس مباشرة على الدول المضيفة؛ حتى لو لم يكن لها أي دور في قرار بدء الحرب.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نتصور أن الحكومات العربية تعيد النظر في استراتيجياتها الأمنية بنفس السرعة. فلا تزال العديد من هذه الحكومات تعتبر الوجود العسكري الأمريكي جزءاً من سياستها الردعية، وتستمر التعاونات الأمنية والاستخباراتية والدفاعية مع واشنطن. لكن ما تغير هو اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية للحكومات وتصور الرأي العام. وهذه الفجوة، إذا استمرت التوترات الإقليمية أو تكررت صراعات مماثلة، يمكن أن تتعمق أكثر من أي وقت مضى، وتؤثر تدريجياً على صنع القرار السياسي أيضاً.

من ناحية أخرى، أدت الحرب الأخيرة إلى زيادة النقد الموجه لمفهوم "الأمن المستأجر" أو "الأمن المستعار". فقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لا يخلق بالضرورة أمنًا مستداماً، بل وقد يحول الدول إلى جزء من التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ولهذا السبب، بدأ نقاش في جزء من العالم العربي حول أن الأمن المستدام، أكثر من كونه نتيجة لوجود قوات خارجية، يتطلب آليات محلية، وتعاوناً إقليمياً، وخفضاً للتوتر بين دول المنطقة.

من منظور إيران أيضاً، كان أحد أهم المكاسب الاستراتيجية للحرب الأخيرة هو تغيير هذا التصور الأمني في الرأي العام الإقليمي. حاولت طهران إيصال رسالة مفادها أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية ليس عاملاً للاستقرار، بل هو أحد أهم عوامل استمرار الأزمة وزيادة احتمالية الصراع في غرب آسيا. كما عززت الهجمات الانتقامية الإيرانية على بعض القواعد المرتبطة بأمريكا، في إطار هذه الاستراتيجية، هذه الرسالة بأن أي استخدام عسكري لأراضي دول المنطقة ضد إيران، سيدخل تلك الدول أيضاً في معادلة الحرب.

في النهاية، ربما يكون أهم إرث سياسي واستراتيجي للحرب الأخيرة، ليس في نتائجها الميدانية، بل في تغيير نظرة الرأي العام الإقليمي لمفهوم الأمن. فإذا كان في الماضي يتم تبرير وجود القواعد الأمريكية بوعود خلق الاستقرار والردع، فإن السؤال اليوم يُطرح أكثر من أي وقت مضى: لمن يُوفّر الأمن وبأي ثمن؟ عندما تتعرض دولة ما لهجمات انتقامية لمجرد استضافتها لقاعدة خارجية، فإن مفهوم الردع يتغير أيضاً.

في ظل هذه الظروف، ستضطر الحكومات العربية، عاجلاً أم آجلاً، إلى الإجابة على هذا السؤال: هل لا تزال استضافة القواعد الأجنبية ضامناً للأمن الوطني، أم أن هذه القواعد تحولت تدريجياً من رمز للردع إلى رمز للتعرض للخطر؟ إن الإجابة على هذا السؤال لن تحدد مستقبل العلاقات العربية – الأمريكية فحسب، بل يمكن أن تصبح أحد أهم العوامل في تشكيل الهندسة الأمنية الجديدة لغرب آسيا في السنوات القادمة. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار الحرب الأخيرة نقطة تحول، لأنها ولأول مرة، واجهت الرواية التقليدية لـ"الأمن الأمريكي" تحدياً جاداً وجذرياً، ليس على مستوى الحكومات، بل في عقول وتصورات الرأي العام في العالم العربي.

/انتهى/

رمز الخبر 1972726

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha